ابن الأثير

548

الكامل في التاريخ

فيقتل من الفريقين ، وممّن استشهد من المسلمين الأمير عزّ الدين عيسى ابن مالك ، وهو من أكابر الأمراء ، وكان أبوه صاحب قلعة جعبر ، وكان يصطلي القتال بنفسه كلّ يوم ، فقتل إلى رحمة اللَّه تعالى ، وكان محبوبا إلى الخاصّ والعام ، فلمّا رأى المسلمون مصرعه عظم عليهم ذلك ، وأخذ من قلوبهم ، فحملوا حملة رجل واحد ، فأزالوا الفرنج عن مواقفهم ، فأدخلوهم بلدهم ، ووصل [ 1 ] المسلمون إلى الخندق ، فجاوزه والتصقوا إلى السور فنقبوه ، وزحف الرماة يحمونهم ، والمجانيق توالي الرمي لتكشف الفرنج عن الأسوار ليتمكّن المسلمون من النقب ، فلمّا نقبوه حشوه بما جرت به العادة . فلمّا رأى الفرنج شدّة قتال المسلمين ، وتحكّم المجانيق بالرمي المدارك ، وتمكّن النقّابين من النقب ، وأنّهم قد أشرفوا على الهلاك ، اجتمع مقدّموهم يتشاورون فيما يأتون ويذرون ، فاتّفق رأيهم على طلب الأمان ، وتسليم البيت المقدّس إلى صلاح الدين ، فأرسلوا جماعة من كبرائهم وأعيانهم في طلب الأمان ، فلمّا ذكروا ذلك للسلطان امتنع من إجابتهم ، وقال : لا أفعل بكم إلّا كما فعلتم بأهله حين ملكتموه سنة إحدى وتسعين وأربعمائة ، من القتل والسبي وجزاء السيّئة بمثلها . فلمّا رجع الرسل خائبين محرومين ، أرسل باليان بن بيرزان وطلب الأمان لنفسه ليحضر عند صلاح الدين في هذا الأمر وتحريره ، فأجيب إلى ذلك ، وحضر عنده ، ورغب في الأمان ، وسأل فيه ، فلم يجبه إلى ذلك ، واستعطفه فلم يعطف عليه ، واسترحمه فلم يرحمه . فلمّا أيس من ذلك قال له : أيّها السلطان اعلم أنّنا في هذه المدينة في خلق كثير لا يعلمهم إلّا اللَّه تعالى ، وإنّما يفترون عن القتال رجاء الأمان ، ظنّا منهم أنّك تجيبهم إليه كما أجبت غيرهم ، وهم يكرهون الموت ويرغبون في الحياة ، فإذا رأينا أنّ الموت لا بدّ منه ، فو اللَّه لنقتلنّ أبناءنا ونساءنا ونحرق

--> [ 1 ] - ووصلوا .